النظام ... بقلم الزعيم
علمت، والحزب السوري القومي في محنته الثانية، أن أحد أراخنة السياسة في لبنان خطأني في تعيين قومية الحزب وفي مرمى الحزب الأخير الذي جمع الأمة السورية في دولة واحدة، وقال أنه لولا فكرة الحزب القومية والسياسية لكان ينجح في لبنان نجاحاً كبيراً، لأنه الحزب الذي أوجد التنظيم. والتنظيم في عرف صاحبي الأرخون، هو كل الإبداع الذي جاء به الحزب السوري القومي.
وكنت قد أجلت نظري في الحركات السياسية التي أتتها الفئات العاملة في السياسة في الوطن، فوجدت أنها هي أيضاً لم تدرك من فكرة حيوية الحزب السوري القومي ونهضته القومية سوى فكرة التنظيم- التنظيم الظاهري في الصفوف والقمصان والرتب. وعلى " التنظيم"، الذي هو بدعة الحزب السوري القومي في الشرق الأدنى، نشأت حديثاً كل الأحزاب والمنظمات اللبنانية، فالنظام هدفها والنظام قوتها. وبواسطة فكرة التنظيم عملت الفئات السياسية غير المنظمة، في كل سورية، على إنقاذ موقفها وسد عجزها.
الحقيقة أن النظام هو ركن أساسي في عمل الحزب السوري القومي وحياته، ومورد من موارد قوته الكبرى. هو أحد رموز زوبعة الحزب السوري القومي الحمراء الأربعة : الحرية، الواجب، النظام، القوة. ولكنه ليس هدف الحزب، بل وسيلة من أقوى وسائله، ولو كان النظام هو ما يرمي إليه الحزب السوري القومي لما كان السوريون القوميون يعلقون كل هذه الآمال الكبار على نهضتهم ومستقبل حزبهم.
إن النظام بلا قضية يخدمها لا يفيد شيئاً ذا قيمة في الحياة عموماً وفي الحياة القومية خصوصاً. والذين يظنون أن النهضة هي عبارة عن صفوف مجموعة في ساحة من الساحات مبتهجة بألوان قمصانها وشارات رتبها يخطئون كثيراً في فهم الحياة القومية الصحيحة، ولذلك لا نرى في كل الصفوف التي تجمع هنا وهناك، كما يجمع قطيع من الغنم، وتلون بقمصان معينة، ما يصح أن يسمى نهضة تكون خطراً على الحزب السوري القومي.
إن الحزب السوري القومي قد أوجد النظام والتنظيم، ولكن شأن الحزب السوري القومي ليس محصوراً في هذه الناحية، كما يظن الذين يتناولون قضايا الأمة بنفس الخفة التي يتناولون بها موضوع جدل سفسطائي، إن إبداع الحزب السوري القومي لم يكن في إنشاء النظام أعظم منه في تأسيس الفكرة القومية، وإيضاح شخصية الأمة ومصالحها، ووضع المبادىء التي تخدم مصلحة الأمة وترقي حياتها.
وما لا شك عندي فيه أن عظمة الحزب السوري القومي التي لا عظمة بعدها هي في ايجاد الوجدان القومي، وإظهار شخصية أمة عظيمة كانت مهملة، وإيجاد أسس نهضة تحقق وصول الأمة إلى مرتبة الحياة المثلى اللائقة.
لم يتغلب الحزب السوري القومي على جميع الإضطهادات التي وجهت إليه لمجرد النظام، بل إن تغلب الحزب على الصعوبات التي وضعت في طريقه يعود إلى سر المحافظة على النظام والتقيد به، وهذا السر ليس في النظام نفسه بل في العقيدة التي وراءه وفي الهدف الذي أمامه، فقد تفكك نظام الحزب في بعض الأوقات ثم لم يلبث أن عاد الاتصال إلى النظام.
ليست فكرة التنظيم هي التي تقود الحزب السوري القومي، بل فكرة الحزب هي التي بعثت النظام وهي التي تقود النظام وتفعل التنظيم.
إن انتصار الحزب السوري القومي وتقدمه، على الرغم من الحملة الشديدة التي وجهتها إليه الرجعية، ليس عائداً إلى نظامه بقدر ما هو عائد إلى غايته، وليس يدل على مجرد تفوق النظام بل على تفوق الوجدان القومي والعقيدة القومية، إن في ثبات الحزب السوري القومي لدليلاً على حاجة الأمة إلى عقيدته ومبادئه التي توحد مصالح الأمة، وتوجد الوجدان القومي، وترفع الأمة إلى مستوى ثقافي عال.
وبعد فان فكرة الحزب السوري القومي في النظام وما وجد له، وفي التنظيم والغرض منه، تختلف معنى عن فكرة الأراخنة الذين ليسوا من النهضة الحديثة وعن فكرة مقلدي النهضة في مظاهرها، فالنظام discipline أوجد ليعطي الحزب وحدة عملية قوية وسريعة والتنظيم organization فقد أوجد ليعطي التوافق والتعاون وليوثق المصالح القومية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
إن النظام يوجد طريقة العمل الموحد المثلى لبلوغ الهدف. أما التنظيم فيشمل المصالح الداخلية على إطلاقها ويوحدها في مصلحة الأمة التي هي أساس كل نظام وتنظيم. وخدمة مصلحة الأمة هي التي تجعل للنظام والتنظيم قيمة، وفهم مصلحة الأمة وخدمتها هما القوة العظيمة القائمة وراء نظام الحزب السوري القومي وتنظيمه.
إن النظام هام بقدر ما هو ضروري لحاجة الحياة، وبقدر ما يكون النظام مضاداً لحاجة الحياة ومصالح المجتمع يكون غاية حقيرة ومحاولة سقيمة.
إن سر النجاح ليس في النظام بل في القوة التي تحرك النظام.
أنطون سعاده- من كتاب " دروس قومية إجتماعية"
المرجع :
* " الجمهور"-العدد 15-الخميس في 21 كانون الأول 1936
* المحنة الثانية التي يشير إليها الزعيم في بداية المقال هي اعتقاله الثاني وسجنه.